Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

في رد البغي نصر

 " وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ"
صدق الله العظيم

د. إسلام عمارة بين علامتين : محمد بنشريفة و أبو الوليد ابن رشد

نشر بتاريخ: 2017-12-07
فلسطين - القدس -خاص نقطة : مراكش ..  كتبت نادية الصبار :

 الدكتور إسلام ماهر عمارة من مصر الكنانة يشارك بالندوة الدولية بمراكش

شهدت مراكش الحمراء بالقاعة الكبرى بالمركب  الإداري والثقافي محمد السادس التابعة لوزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية ( باب إغلي ) ندوة دولية منقطعة النظير , أرتأى المركز الدولي للغة العربية بعد تأسيسه أن يجعل جزء لا يستهان به من أنشطته للاحتفاء برموز اللغة و أعلامها , لا غرو أن يشغل بال هيأة المركز أمر مماثل ما داموا من خدام اللغة , فهم من الأساتذة المحدثين الغيورين على اللغة و أعلامها , فكان الاحتفاء بأحد أعمدة الأدب المغربي و العربي العلامة  محمد بنشريفة , ولهذه الغاية شارك ثلة من أساتذة اللغة من الجزائر و مصر و المغرب . وإيمانا بعطاء يستحق الالتفاتة جاءت مشاركة الدكتور إسلام ماهر عمارة من مصر الكنانة، وهو أستاذ مساعد بكلية الإلهيات بجامعةألوداغ بتركيا. وقد شارك بمداخلة قيمة بعنوان " منهج بنشريفة في السير الأدبية، ابن رشد الحفيد نموذجا ". 

بدأ الباحث إسلام ماهر عمارة مداخلته بالحديث عن العلامة و الهامة الفذة فقال 
محمد بنشريفة علم من أعلام الفكر والأدب البارزين، بما خلفه من تآليف ثرية، وتصانيف غنية، غذى بها المكتبة العربية، ورفدها بنتاج غزير في الأدب والتفسير والفقه، والتاريخ والتراجم والسير، وتحقيقِه لمصادرَ أصيلةٍ في التراث الأدبي مشرقيِهِ ومغربيِه وأندلسيِه، في نتاج متنوع يلون صفحات العطاء العلمي، ويبرز صور تلقيه في الوعي الجمعي للقارئ العربي. هذا؛ وقد أولى الأدبَ المغربيَّ الأندلسيَّ عنايته في مرحلة باكرة من حياته، وأفاض عليه برصد جوانب التأثر والتأثير بينه وبين صنوه المشرقي في بحوث جادة ودارسات رصينة. 

  وقد اتسم صنيعه بمنهج سار عليها في الجمع، والتحقيق، والنقد، والتقويم، والتمحيص للروايات حتى عدت كتاباته مصد ار في بابها، ومعينًا ثرالوارديها،ونموذج فريدًا يُحتذَى في كتابة السير الأدبية وتراجم الأعلام. ولعل نظرة واحدة إلى عناوين كتبه وبحوثه في هذا الباب تشي بما كابده من جهد، وما أنفقه من وقت في الجمع والتعقب في المظان للتعريف بالأعلام , ومن هنا نسجل بواعث اختيار الباحث د. إسلام ماهر عمارة لموضوع منهج بنشريفة في السير الأدبية من خلال كتابه 3 ابن رشد الحفيد سيرة و وثائقية أنموذجا " و ذلك لغزارة نتاج بنشريفة في مضمار السير الغيرية بصورة تثير الإعجاب , و ما كتابته الطيعة وهي تتهادى طائعة إلا دليل على ذلك .

أضف أن ابن رشد تتلمذ على يديه خلق كثيرون نبغ منهم علماء رَبَوْا على أربعين عالمًا في شتى علوم النحو، والفقه، والمنطق، والبلاغة، والطب، وهو مما يغري بدراسة سيرته لمعرفة ما أ ارقه من وهج في قلوب مريديه، ولتعقب تأثيرات تلك التلمذة وسريانها فيما نقلوه عنه.  

و هذا دون أن ننسى أن ابن رشد كان محور دارسات كثيرة منذ ظهور" ابن رشد والرشدية " لأرنست رينان، فكان مؤلف "ابنرشد الحفيد سيرة وثائقية" تتويجًا لحلقات متصلة، تستمد قيمتها من وحي صاحب السيرة الذي "فاق ابن مضاء القرطبي" على حد تعبير بنشريفة، الأمر الذي يغري الدارسين بتلقف هذه السيرة .

والبحث إذ يدرس منهج بنشريفة في السير الأدبية فإنه يحاول أن يستبطن فكره، ويسبر غوره، ويتدسس إلى ما وراء السطور لاستنباط معالم المنهج، والاستئناس بعمق التحليل، والاستمتاع بفنية البناء، وحدس الفرضيات والأدوات، لاستلهام المنهج الأمثل في كتابة سيرة وثائقية.  
ثمة أسئلة تبادرت إلى أذهان الباحث وحاول الإجابة عنها تخص السر في اهتمام بنشريفة بإعداد سيرة وثائقية عن ابن رشد والأسس والمنهج الذي اتبعه في كتابة السيرة كما تحدث عن القيمة المضافة لكتابه عن سير أخرى.

وإذ ما تزال الذاكرة الأدبية تحفظ لنا سيرا أدبية خالدة، بعضها ذاتي خطها الأديب بقلمه، فكتبها عن حياته.   والغالب غيرييتولى فيه الكاتب رسم صورة لشخصيات بارزة يكشف فيها الغطاء عن مسيرتهم ونبوغهم، وأسرار عملهم، وظروف حياتهم، وما يجلل الشخصية من قيم إنسانية رفيعة. وقد تجلى هذا الضرب من السير الغيرية، بله الوثائقية، في صنيع بنشريفة مع أعلام الت رث المغربي والأندلسي حتى ربت على ثلاثين مؤلفا , يعتبر مؤلف "ابن رشد الحفيد سيرة وثائقية" واحد منها وأبرزها.

ولعل السر في اهتمام بنشريفة بالسير الغيرية بعامة يعود إلى البحث عن الذات المغربية من حيث أصالة الهوية وقوة الانتماء، لبعث تراث مجيد يحفظ فيه الأبناء موروث الآباء، يفطنهم ويعظهم ويروِيهم، منقِبًا بذلك عن ميراث أمة ذات وجود حضاري ضارب في أعماق التاريخ. وبتفحص جملة نتاج بنشريفة يلحَظُ أن اختيارَه كان واقعيًّا مشدودًا إلى غاية شريفة، فلم يكن ساكنًا في برج عاجي، أو حالمًا في عالم خيالي، أو هائمًا وارء فكر ميتافيزيقي، وإنما مُنقِبًا عن شخصيات مغربية ذات علاقة وثيقة بمحيطها الاجتماعي وتململه السياسي، متفاعلة معه أخذًا وإعطاءً، تأثرا وتأثيرا. 

يستطرد الباحث إسلام عمارة فيقول بأن بنشريفة وضع أسسًا في اختيار شخصياته، وما يعنينا منها هنا هو 
ابن رشد، ومن تلك الأسس أن بنشريفة  تأثر بشخصية ابن رشد والتئم معها فكريًّا و روحيًّا، الأمر الذي دفعه إلى التعبير عن حبه له تارةً، و تولي الدفاع عنه بتحويل الدفة لصالحه والانتصار له واستنقاذه وسرعة الخلوص به تارةً أخرى. دون التعصب له وإنما" دفاع  عن ابن رشد النموذجي في وجه ابن رشد النص"،  

اهتمام بنشريفة بابن رشد لم يكن نابعا من خواء و إنما لماله من ثراء فكري و روحي و علمي  وقد سرد بنشريفة  مسردًا يَبِين فيه احتفاء الأوساط العلمية، في حواضر عربية وأوربية، بابن رشد، سيرةً، وفلسفةً، وكتبًا، مشيرا في هذا الصدد إلى مشروع فكري وثيق الصلة به يشرف عليه الدكتور الجابري. 
وما مصنف بنشريفة واختياره ابن رشد إلا حلقة دائرة في هذا السياق، أضف إلى ذلك 

ثراء الشخصية بالوثائق والمعلومات وهو ملمح امتاز به ابن رشد، وقد راح بنشريفة ينقب له عن مزيد من الوثائق، والشهادات، والشواهد، لتثبيت معطيات، وتقوية آراء، ودحضحُجَج، وتفنيد مزاعم، وإلقاء شعاع من الضوء لتبديد أحكام مسبَقَة علقت بالأذهان زمنًا، كونها بنيت على مقدمات خاطئة، وحملت تصورات فاسدة،ومعلومات ناقصة مبتورة. ونشير في هذا السياق إلى الصورة التي نراها لابن رشد عند دومينيك أورفوا في "ابن رشد طموحات مثقف مسلم"، أو تلك التي رسمها الجابري في "ابن رشد سيرة وفكر"، وكلتاهما تصوران عصره بأنه يسكنه "وحوش"، وقطعان من "ناكري الجميل".   

وعند موازنة منهج المؤلف في كتابة سيرة ابن رشد بمنهج غيره من الرشديين الآخرين نجد أن منهجه انماز عنهم وامتاز عليهم، وعلى الرغم من أن القارئ يجد آثار ذلك التفوق والتميز مبسوطًا في تضاعيف الكتاب من أوله آخره، إلا أننا نجد حرص المؤلف على القارئ، فلا يُعنِيه في البحث عن مواطن التفرد أو إجهاد عقله   بإحصائها، بل يسدي إليه يدًا، فيجمعها له في خاتمة الكتاب، ليحصيَ له إحدى عشرة ميزة تميز كتابه منكتب سير ابن رشد الأخرى، وتكشف له عن السمات والخصائص التي تفرد بها كتاب بنشريفة.

و إذ يصعب مناجاة التراث، لأنه فن يحتاج إلى وعي في التعاطي معه وطول خبرة ,  يلحظ الباحث أن ثمة جهدكبير بذله بنشريفة في جمع المادة، وترتيبها، وتقسيمها، وتصنيفها، وتبويبها، فقد أحاط بما كتب عن ابن رشد من مصادر ومراجع بصورة مبهرة، وقرأها واستوعبها وتمثلها فهمًا واستنباطًا وتحليلًا وتقويمًا وربطًا بين المقدمات  والنتائج والأسباب والقرائن التي تستدعي ضوابط  صارمة تقرها قواعد البحث، كما أدلى برأيه في تفسير الأحداث وتعقب الأخبار، ووظف أدواته في التيقن من صحة الاستنباطات وعمق التحليلات ودقة ما توصل إليه من نتائج ،حتى انتهى به المطاف إلى تقديم وثيقة علمية تكتنز خصائص فنية في أصول كتابة السير الوثائقية .

سأتجاوز عمدا قسما كبيرا من مداخلة د. إسلام ماهر عمارة ويتعلق الأمر بابن رشد من خلال المصادر التي اعتمد عليها ابن شريفة، عند ابن الآبار وابن سعيدوابن الزبير و ابن عبد الملك.  على اعتبار أنه تغيا كثيرا من الشفافية و الحياد فتناول بصدق دون زيغ أو تحريف ماجاء في كتاب "ابن رشد الحفيد, سيرة وثائقية ".  

و ما يهمنا هنا هو الشق المتعلق بفترة مهمة في سيرة أبو الوليد ابن رشد و تتعلق بفترة قبل المحنة، وحول المحنة.وثمة  سؤالان شغلا بنشريفة : ما علاقة ابن رشد بالمهدي ابن تومرت؟ وكيف دخل ابن رشد في الأمر العزيز؟ ليجيبنا من خلال تناوله لهذه المحطة بذهن صافوتحليل عميق . 

إن علاقة ابن رشد بابن تومرت وبعقيدته وبالدولة الموحدية شغلت الدارسين حتى تضاربت في ذلك أقوالهم ،وقد ولج بنشريفة إلى الموضوع من خلال قراءة موجزة للعصر ورصد تجاذباته وتململاته، فصوَّر حركة الناس بين دولة غربت شمسهاوأخرى سطع سراجها، في محاولة منه لتقصي أثر حركة ابن رشد وسط  الغبار الكثيف الذي يعلو الزحام،فما كادت الدعوة الموحدية لتبلغَ الأندلس حتى سارع إلى الانخراط فيها وجهاء  وعلماء لهم بواعث ودوافع مختلفة. وكان من بين هؤلاء الذين دخلوا في "الأمر العزيز" من تأمروا ببلدانهم بعد زوال دولة المرابطين , وكذلك الكُتاب الذين تسابقوا في خدمة الدولة الجديدة بعد أن كانوا حرسًا قديمًا للعهد السابق. 

مهد بنشريفة بذلك للحديث عن ابن رشد، المحسوب على المرابطين، فقد خدم جدُّه و والده دولتهم . لذلك كان أحوج من غيره للانخراط في النظام الجديد وساق بنشريفة نصوصًا يُعتقَد أنها من شرح الحمرانية الذي كان مقدمة لما تلاه من الكتب مثل كتاب" فصل المقال" وكتاب (الكشف عن مناهج الأدلة)  
قبل المحنة 
استهل بنشريفة حديثه في هذا القسم بنتيجة مفادها أن "الذين ترجموا لابن رشد من الأقدمين كابن الأبار وابن عبدالملك وغيرهما لا يذكرون من تواريخ حياته الطويلة العريضة إلا تاريخين اثنين هما تاريخ ولادته  وتاريخ وفاته . أما بين هذين التاريخين فلا يذكرون منه شيئا على وجه التفصيل، وإنما يشيرون إلى أن حياته كانت حاملة بالتعلم والتعليم والتأليف والتطبيب.  


وإذا كان أصحاب التراجم قد أغفلوا تواريخ مهمة ومحطات جديرة  بالذكر في حياته فإن من حسن الطالع أن ابن رشد قد عني في كتبه بذكر تواريخ أحداث عايشها، فضلا عن تواريخ فراغه من تأليف كتبه، وقد فطن بنشريفة إلى أهمية تواريخ الفراغ من الكتب، فوظفها أحسن توظيف وكانت باعثا له في فهم وتفسير وربط  أحداث كثيرة متشابكة شكلت محطات ومنعطفات في حياة أبي الوليد، وإجابات شافية لعلامات استفهام كبيرة لأسئلة عديدةسكتت عنها كتب التاريخ والتراجم . 

كما عرض المؤلف قرائن من كتب ابن رشد تشير إلى وجوده في جبل درن في السنة المذكورة وهو ما اقترن بوجود عبد المؤمن في "تينمل" لزيارةقبر المهدي، ثم إن ابن رشد قد رجع إلى قرطبة التي شهدت سنوات صعابًا بسبب حملات ابن مردنيش. استنبط بنشريفة هذه الأحداث من وحي صداها في كتب ابن رشد كما في المختصر في علم النفس الذي كتبه في الخمسينيات، يقول: "وإن فسح الله في العمر وجلى هذه الكرب فسنتكلم في هذه الأشياء بقول أبين وأوضح ."   كما يبدو استقصاء بنشريفة للأحداث،وتتبعه لها وربطه بينها بصورة ملفتة، فقد ذهب رينان إلى وجود ابنرشد في مراكش عام 548ه، وأن ذلك ربما كان باستدعاء عبدالمومن إياه ليستعين به على تنظيم المدارس التي أنشأها بمراكش"، لكن بنشريفة استعان بالحوليات التاريخية التي ذكرت أن عبد المؤمن بعد استيلائه على مدينة مراكش قرر تكوين أنصار متشبعين بعقيدة المهدي وفكره , فاستدعى مجموعة من صغار السن من "أبناء إشبيلية وقرطبة وفاس وتلمسان" فانتخبوا من النجباء الحفاظ من كل بلد ووصلوا إلى مراكش صحبة أساتذتهم". ويناقش بنشريفة ذلك فيبتدر بسؤال: هل كان –ابن رشد- من الحفاظ الذين تحدثت عنهم هذه الأخبار؟ ليجيب: لعل الجواب يوجد في مقالته المفقودة، وعنوانها: "مقالة في كيفية دخوله في الأمر العزيز وتعلمه فيه ما فُصِل من علم المهدي." 

واستعرض بنشريفة في مسرد -استخرجه من الببليوغرافيات الموضوعة في مؤلفات ابن رشد- سنوات فراغ ابن رشد من تأليف كتبه، واستنبط  منها شروعه في التأليف بعد أربع سنوات من التاريخ المذكور، بل إنه استطاع تأليف أكثر من مؤلفٍ في سنوات من )563 - 588(. وهذا معناه أنه ظل مكبًّا على التأليف طوال أربعين سنة دون توقف أو انقطاع، وهو ما يفسر ضخامة أعماله.  

حول المحنة 
  شكلت المحنة أبرز حدث في حياة ابن رشد، وسجلت الحوليات التاريخية أحداثها، وفصل القول فيها مؤرخو ذلك العصر، وفي مقدمتهم الإشبيلي، وعبدالواحد المراكشي، وأبو مروان الباجي، وابن عبدالملك المراكشي ،وابن عذاري وغيرهم، وقد وصّف فها بنشريفة توصيفًا دقيقًا، وفسر أحداثها "تفسيرا تفصيليًّا غنيًّا بالمعطيات المختلفة التي تبين حجمها" كما ذكر في الخصوصية السابعة لسيرته، فوقف على طبيعة المحنة وبين مداها، وأظهر الأسباب التي كمنت واجرء اندلاعها من خلال تعقب أقوال المؤرخين، وكيف ألقت بظلالها على أبي الوليد فيأخريات عمره. 

وثمة دراسات كثيرة تعرضت لأسباب المحنة إلا أن بنشريفة وضعنا أمام مجموعة منها م ارجعًا ومشككًا ومصححًا ومرجحًا للبعض ومؤكدًا عليه، وكانت الوثائق سبيله إلى هذا الحشد والتكثيف لأبعاد الصورة، ويمكن عرض الأسباب بإيجاز من خلال عبا ارت بنشريفة نفسه، يقول: "إن المنافسات والخصومات بين الأعلام في ذلك العصر كانت من أسباب المحنة"، فالمحاسدات والمنافسات المعلنة والخفية بين ابن رشد والفقهاء والمتكلمين والقضاة وكذلك المنابذة والمهاجرة والمنافرة بين أسرة بني ربيع الأشعري وأسرة بني رشد. 

كما ظهرت "المنافسة واضحةبين ابن رشد وأبي بكر بن زهر، وإن كان لا يتضح من الكتاب إن كان ابن زهر أحد الكائدين له أم الساعين لإطلاق سراحه والعفو عنه أو هما معًا.    
   
كما يبدو أن كتابات ابن رشد قد ألبت عليه جهات عدة كونه هاجمهم فيها، فتصالح الأعداء عليه، فكتاب "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" و "الضروري في أصول الفقه" قد جعلت الفقهاء ينقدونه لاسيما المالكية، الذين شعروا أنهم مهددون لا في سلطتهم فقط  وإنما في مصادر رزقهم. كما أن كتابه "الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة" و "فصل المقال" و"تهافت التهافت" أثارت علماء الكلام لاسيما الأشعرية الذين ردوا بكتابات مضادة منها "تحقيق الأدلة في عقائد الملة"، و"دفع الشبه المضلة"، و "الأقوال المضمحلة بالحكمة البالغة والحجة الدامغة" لأبي عامر يحيى بن أبي الحسين بن الربيع من أسرة الأشعريين، كما أن ابن رشد كتب نقدًا موجهًا إلى الحكم الموحدي في زمنه في كتابه "الضروري في السياسة" رغم إهدائه ليعقوب المنصور.     
   يتتبع بنشريفة أقوال المؤرخين ويقابلها ببعضها وينقدها نقدا داخليا، ويظهر توجهات أصحابها. وفي النهاية يُجمِل القول في أسباب المحنة وقد رآها "متعددة، بعضها اجتماعي، يرجع إلى التنافس بين الأسر والتحاسد بين الأفراد، وبعضها الآخر ديني يتعلق بالاختلاف المذهبي والعقدي، وبعضها الآخر سياسي.  ويشير إلىه
عامل آخر وهو غياب المؤسسات في القرون الوسطى الإسلامية متمثلا في شخص الخليفة أو مزاجه وميوله، ومنه هذه الجهة فـ "الواقع أن ابن رشد كان ضحية عصر المنصور وسياسته المتقلبة.

و لا ينساق بنشريفة وارء دعوات إقامة مشابهات بين محنة ابن رشد وما حصل لبعض الفلاسفة والعلماء فأوروبا مثل جيودانو وغاليليو، يقول: "إن الدارسين ولاسيما المحدثين قد بالغوا في الكلام على هذه المحنة ولم يتبينوا طبيعتها، وحسبوها من قبيل ما وقع لبعض رجال العلم والفكر في أوربا خلال القرون الوسطى". 

لكنه يسير في الأمر بميزان الاعتدال محاولًا تنسيب المحنة من طريقين: أولًا، طريق القول إنها لم تطل أبا الوليد وحده وإنما أيضًا مجموعة من النظار الذين كانوا لا يتعاطون بالضرورة لعلوم الأوائل، إذ كان بينهم الأصولي والفقيه والشاعر وثانيًا: من طريق القول إن الأمر متعلق بمحنة مؤقتة، أي أنها "كانت ضرورة عابرة" أو "أمرا ظرفيًّا" هذه هي الإضافة التي قدمها بنشريفة في هذا السياق بعد تحليلاته الهادئة، لينتهي إلى القول بأن "محنة ابن رشد اقتصرت تقريبًا على محاولة إثارة الرأي العام ضده"، و"عندما ينظر الباحث في هذه المحنة يجد أنها كانت أشبه بتمثيلية من بعض الوجوه ,  وكأنما اضطر إليها المنصور لإرضاء العامة مؤقتا"، ولعل تراجع المنصور هو أكبر دليل على أن المحنة كانت أمرا ظرفيًّا إذ إنه بعد وصوله إلى مراكش "نزع عن ذلك كله، وجنح إلى تعلم الفلسفة، وأرسل يستدعي أبا الوليد من الأندلس إلى مراكش للإحسان إليه والعفو عنه" 

وقبل الختام نشير على لسان إسلام ماهر عمارة أن العلامة بنشريفة  ذيلَ كتابه بمادة توثيقية بالغة الأهمية أسماها "ملحقات"، وتكمن أهميتها أولا؛ في جدتها، إذ لم يسبق نشرها.
وثانيًا؛ أنها تعالج بعض الموضوعات التي تعرض لها الكتاب بشيء من التفصيل والتوثيق، وثالثا؛ أن أبعاد الصورة تكتمل عند القارئ فتتكشف له علاقة ابن رشد ببيئته وعصره.  

كما لم يكن بنشريفة مكتفيًا بنقل الترجمات من مصادرها والزج بها في متن كتابه فحسب، بل إنه اعتنى عناية بالغة  بالحواشي حتى بدت مكتظة بكثير من المعلومات والتوضيحات والتعقيبات والتنويهات والترجيحات والإحالات ،وكأنه تحقيق مخطوط، وهو أمر يطبع الكتاب بطابع التحقيق،  وصفة "وثائقية" لائقة به . 

-بتصرف -
من مداخلة أتت في ما يقارب الثلاثين صفحة و هي مشاركة بالندوة العلمية التي احتفت بالعلامة بنشريفة بتنظيم من المركز الدولي لخدمة اللغة العربية بمراكش و التي لم يتأتى لصاحبها الحضور . المداخلة ستنشر ضمن كتاب تحت إشراف المركز .

Developed by